أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
12
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الكتاب والتورية والإنجيل وقيل : حال من الإنجيل فقط وحذف مما قبله لدلالة هذا عليه . وقال بعضهم : تم الكلام عند قوله تعالى : « مِنْ قَبْلُ » فيوقف عليه ويبتدأ بقوله « هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ » أي : وأنزل الفرقان هدى النسق وهو ممتنع لو قلت : « قام زيد مكتوفة وضربت هند » تعني : وضربت هند مكتوفة » لم يصح البتة فكذلك هذا . قوله : لِلنَّاسِ يحتمل أن يتعلق بنفس « هُدىً » لأن هذه المادة تتعدى باللام كقوله تعالى : يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ « 1 » وأن يتعلّق بمحذوف لأنه صفة لهدى . قوله : وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ يحتمل أن يراد به جميع الكتب السماوية ، ولم يجمع لأنه بمعنى الفرق كالغفران والكفران ، وهو يحتمل أن يكون مصدرا واقعا موقع الفاعل أو المفعول والأول أظهر . وقال الزمخشري : « أو كرّر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه فارقا بين الحقّ والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه وإظهارا لفضله » . قلت : قد يعتقد معتقد أنّ في كلامه هذا ردّا لقوله الأول حيث قال : « إن نزّل » يقتضي التنجيم و « أَنْزَلَ » يقتضي الإنزال الدّفعيّ ، لأنه جوّز أن يراد بالفرقان القرآن ، وقد جاء معه « أَنْزَلَ » ، ولكن لا ينبغي أن يعتقد ذلك لأنه لم يقل : إنّ « أَنْزَلَ » للإنزال الدفعيّ فقط ، بل يقول إن « نزّل » بالتشديد يقتضي التفريق و « أَنْزَلَ » يحتمل ذلك ويحتمل الإنزال الدفعيّ . قوله : لَهُمْ عَذابٌ يحتمل أن يرتفع « عَذابٌ » بالفاعلية بالجارّ قبله لوقوعه خبرا عن « إِنَّ » ويحتمل أن يرتفع على الابتداء ، والجملة خبر « إِنَّ » والأول أولى ، لأنه من قبيل الإخبار بما يقرب من المفردات . وانتقام : افتعال من النّقمة وهي السّطوة والتسلط ، ولذلك عبّر بعضهم عنها بالمعاقبة يقال : نقم ونقم ، بالفتح - وهو الأفصح - وبالكسر ، وقد قرىء بهما ، وسيأتي مزيد بيان في المائدة . قوله تعالى : فِي الْأَرْضِ : يجوز أن يتعلّق ب « يَخْفى » وأن يتعلّق بمحذوف على أنه صفة لشيء . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 6 ] هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 6 ) قوله تعالى : فِي الْأَرْحامِ : يجوز أن يتعلّق بيصوّركم وهو الظاهر ، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من مفعول « يُصَوِّرُكُمْ » أي : يصوّركم وأنتم في الأرحام مضغ . وقرأ طاووس « تصوّركم » فعلا ماضيا ومعنا صوّركم لنفسه ولتعبّده ، وتفعّل يأتي بمعنى فعّل كقولهم : « تأثّلت مالا وأثّلته » أي جعلته أثلة أي أصلا ، ونحوه : ولّى وتولّى . والتصوير : تفعيل من صاره يصوره أي : أماله وثناه ، ومعنى صوّره أي : جعل له صورة . والصورة : الهيئة يكون عليها الشيء من تأليف خاص وتركيب منضبط . قوله : كَيْفَ يَشاءُ في هذه الآية أوجه : أظهرها : أن « كَيْفَ » للجزاء ، وقد جوزي بها في لسانهم في قولهم : « كيف تصنع أصنع ، وكيف تكون أكون » ، إلا أنه لا يجزم بها ، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها ، وكذلك مفعول « يَشاءُ » لما تقدّم أنه لا يذكر إلا لغرابة ، والتقدير :
--> ( 1 ) سورة الإسراء ، آية ( 9 ) .